الحسن بن محمد البوريني وعبد الغني النابلسي

228

شرح ديوان ابن الفارض

تثنّت فخلنا كلّ عطف تهزّه قضيب نقا يعلوه بدر تمام [ المعنى ] وهذا البيت من محاسن الأبيات التي لا تصل إليها الهمم العاليات ولا تصدر إلا لمن أيد بالنفس القدسية والصفات الملكية . « تثنت » أي تمايلات كما تمايل الغصن الرطيب . وإنما كان ذلك تثنيا لأن الميل مع الملايمة يجعل المائل اثنين لأن أحد الطرفين إذا انثنى على الآخر صار كل واحد منهما بمنزلة غصن خاص . و « خلنا » بكسر الخاء بمعنى ظننا وتخيلنا أن كل عطف . و « العطف » بكسر العين ما لان من الجسد . و « قضيب » بالنصب مفعول ثان لخلنا ، والأوّل كل . و « النقا » كثيب الرمل وهو تشبيه الردف . و « القضيب » تشبيه القد . و « البدر التمام » الذي يعلوه هو الوجه المنير والبدر المستنير . ( ن ) : قوله تثنت أي المحبوبة المذكورة . ومعنى التثني هنا أن تكون تلك المحبوبة الحقيقية المذكورة مع كل شيء اثنين هي وما تقدّره في نفسها من معلوماتها التي هي كاشفة عنها في الأزل وبالإرادة تتجلى فيظهر وجودها على ذلك المعلوم الذي قدرته في نفسها ، وهذا معنى تثنى الأغصان بالنسيم فإن الإرادة كالنسيم ووجود الغصن واحد ، فإذا كان في حيز فمال إلى حيز آخر فكأنه صار اثنين ، ولهذا يقال تثنى الغصن مع أنه واحد . وقوله كل عطف يكني بذلك عن الأسماء الحسنى والصفات العليا . فإنّ كل اسم منها كأنه جانب من الجوانب ، وهو عطف من الأعطاف . وقوله تهزه الضمير للمحبوبة المذكورة . والهز هنا كناية عن توجه الحق تعالى باسم من أسمائه على الأثر فيوجده . وقوله قضيب وهو الغصن المقطوع كنى به عن النشأة الإنسانية كما قال تعالى : وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً ( 17 ) ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيها وَيُخْرِجُكُمْ إِخْراجاً ( 18 ) [ نوح : الآيتان 17 ، 18 ] وقوله نقا كناية عن المقام الذي يقام فيه العبد السالك في طريق اللّه تعالى . وقوله بدر تمام ، كناية عن وجه العارف الكامل الذي يواجه به شمس الحضرة الإلهية في غيب الأسماء والصفات الربانية ، فإن وجوده مستفاد من وجوده كما أن نور القمر مستفاد من نور الشمس في ظلمة الأكوان . وهو سر التجلي الإلهي المكنى عنه هنا بالتثني . اه . ولي كلّ عضو فيه كلّ حشا بها إذا ما رنت وقع لكلّ سهام [ الاعراب والمعنى ] « ولي » خبر مقدّم قدّم لإفادة الحصر . وقوله « كل عضو » مبتدأ مؤخر ، والمراد من أعضائي . وقوله « فيه » أي في كل عضو . وقوله « كل حشا » وهو ما في الباطن كناية هنا عن القلب يعني كل عضو من أعضائي فيه كل قلب من القلوب ، وتنكير